محمد هادي معرفة

277

التمهيد في علوم القرآن

بوحدانية اللّه ، كما أنه لم يعرف أيّ تشريع من شأنه أن يعيق تطوّر ضمير الانسانية أو يخالف فطرته . ليس الدين نظرية غريبة ، شأنها إدخال الرضا والسرور في نفوس أصحاب العقول الحالمة . إنّ الدين قانون للحياة ، وهكذا ينبغي أن يكون . أمّا غرضه فهو الارتقاء بالانسانية إلى مدارج الكمال الذي هو غاية الوجود . ولهذا السبب فإنّ الدين الذي يقيم المبادئ الخلقية الرئيسية على أساس قواعد راسخة منظّمة ، كما ينظّم العلاقات الاجتماعية ووشائج القرابة الانسانية ، والذي يقرب الانسان أكثر فأكثر - عن طريق تمشّيه مع تطوّر العقل - نحو الانسان الكامل ، ذلك الذين لا شكّ أنه خليق بأن يحظى بالتقدير والاحترام ، وهو دين الاسلام . وإنها لطبيعة مميّزة في الإسلام - كما دعا إليه صاحب الشريعة - إنّه يضمّ في ذاته أنبل المظاهر في الديانات العقلية السماوية ، وخصوصا تلك التي تتّفق مع العقل والتهذيب الأخلاقي في الانسان . وليس الإسلام مجرّد نظام ذي قواعد أخلاقية إيجابية تقوم على أساس الإدراك الصحيح للتقدّم البشري فحسب ، بل أنه تقرير بضعة مبادئ رفيعة ، وتأكيد على أشكال سليمة من التصرّف ، وترقية خيّرة لطاقة العقل التي هي الضمير الحيّ في الانسان . أمّا قابلية المفاهيم الاسلامية للتكيّف حسب العصور والأمم ، وانسجام تلك المفاهيم المتساوقة مع روح العقل ، وانعدام القواعد الغامضة التي تلقى ظلّا مشوبها على الحقائق المتضمّنة في قلب الانسان ، فكلّ ذلك يثبت أنّ الإسلام مثّل أحدث وأرقى تطوّر في الغريزة الدينية عند الانسان . ولا نعدو الحقيقة حين نجزم بأنّ شريعة الإسلام وحدها بين جميع الشرائع الأخرى تجمع ما بين المفاهيم التي ساعدت على تكوين السلوك القويم في النفس البشرية في مختلف العصور ، وبين قيمة النفس الإنسانية التي كانت تحظى بتقدير كبير في الفلسفات القديمة .